السبت، 7 فبراير 2015


رجل الساعة: الملك عبد الله يُكافح من أجل بقاء المملكة الأردنية

يخشى من انقلاب داخلي، يريد إجراء إصلاحات اقتصادية حديثة، ويرغب بالقضاء على داعش، يزدري بشار الأسد ويحاول الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل. هذا هو الملك عبد الله الثاني الملقاة عليه المسؤولية الأكبر، لمنع انهيار المملكة الهاشمية

6 فبراير 2015, 17:411
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني (AFP)
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني (AFP)
من غير الواضح إذا ما كانت إشارة ملك الأردن، عبد الله الثاني، في المقابلة التي قدّمها للصحفي الأمريكي "تشارلي روز" قبل نحو سبعة أشهر (أيار 2014)، حول ضغوط العمل والمسؤولية الكبيرة الملقاة على أكتافه كملك لدولة صغيرة تواجه موجة من التحدّيات والمشاكل الداخلية، نوعا من النكات أو إشارة جدّية. "عندما أرى ما يواجهه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تفكّك ليبيا، المشاكل الاقتصادية الحادّة، والتعامل الداخلي مع مشكلة الإخوان المسلمين والتعامل الأمني والعسكري الذي يقوم به في سيناء ضدّ الجهاد العالمي، فإنّ ذهني يستريح. إنه يواجه الكثير جدّا من التحدّيات. أما أنا من جهة أخرى فلا أواجه مثل هذا القدر الكبير من المشاكل".
"ملك بمفاجأة"
إذا أردنا مسح المشاكِل التي عدّدها الملك الأردني في المقابلة، والتي تواجهها المملكة الهاشمية الأردنية، فيمكننا ببساطة أن نقدّر بأنّ عبد الله يضع على أكتافه أكثر المشاكل إلحاحا في الشرق الأوسط. بدءًا من مواجهة تهديدات داعش، ومواجهة أكثر من مليوني لاجئ سوري وعراقي يقيمون على حدود بلاده الصغيرة ويخنقون الاقتصاد المحلّي، والمواجهة الداخلية ومحاولة الحفاظ على الوضع القائم بين القبائل الأردنية والسكان الفلسطينيين، الانتقادات تجاه علاقاته مع الغرب، مسألة الحرم القدسي الشريف، مسألة علاقة السلام مع إسرائيل وفوق كلّ شيء محاولة معالجة الصعوبات الاقتصادية الهائلة والملحّة في المملكة الصحراوية.
ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال مع نجله العاهل الأردني عبد الله الثاني (AFP)
ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال مع نجله العاهل الأردني عبد الله الثاني (AFP)
صعد الملك عبد الله الثاني إلى الحكم في 7 شباط عام 1999 بعد وفاة والده الملك حسين. كانت والدة عبد الله إنجليزية واسمها توني جاردنر، وقد كانت ابنة ضابط بريطاني خدم في الأردن. بعد زواجها عام 1961 من حسين، ملك الأردن، أسلمتْ واتّخذت اسم "منى".
تزوج عبد الله عام 1993 من السيدة رانيا، من مواليد الكويت ومن أصول فلسطينية. درس في شبابه ببريطانيا، في الأكاديمية العسكرية البريطانية وفي جامعة أوكسفورد.‎ ‎خدم كطيّار في الجيش الأردني وتولّى منصب قائد القوات الخاصة في الأردن. في المقابل، درس العلاقات الدولية في جامعة جورجتاون في واشنطن بالولايات المتحدة. منحه كلّ ذلك لغة إنجليزية ممتازة وطليقة. وهناك من سيقول إنّ لغته الإنجليزية أفضل من لغته العربية الفصحى.
لم يتم إعداد عبد الله على مدى سنوات طويلة لخلافة والده كملك للأردن.‎ ‎كان شقيق الملك حسين، الأمير حسن، هو وليّ العهد في غالبية عهد الملك حسين، ولكن قبل وفاته بقليل قرّر الملك تمرير العرش لابنه. كان سبب عزل الحسن، من بين أمور أخرى، رغبة حسين في نقل الملك إلى سلالته. فاجأت هذه الحقيقة عبد الله كثيرا والذي قال في المقابلات لوسائل الإعلام في تلك الفترة إنّه الملكة رانيا وهو كانا متفاجئين من قرار والده.
الوجه الجميل للأردن
يُعتبر عبد الله رجلا غربيّا. يميل الأردن تحت قيادته إلى خطّ سياسي موال لأمريكا وللعلاقات الوثيقة مع الغرب، وهي سياسة تثير في أحيان كثيرة الانتقادات من جانب جيرانه العرب. ويدفع الملك الثمن الأكبر، كما يبدو اليوم، بسبب دعمه وانضمام المملكة الهاشمية لقوى التحالف التي تحارب داعش. صُدِم الملك من نشر مقطع الفيديو الذي يوثّق حرق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، حتى الموت، وصدم كذلك المملكة الهاشمية بأسرها. قال الملك في رسالة تلفزيونية: "القتل هو عمل إرهابي جبان تم تنفيذه من قبل مجموعة لا علاقة لها بالإسلام".
تساعده زوجته أيضًا، الملكة رانيا، في محاولة تقديم الأردن كدولة تبحث عن شركائها الغربيين، الليبراليين. تشارك الملكة رانيا بنشاط في عدد من مجالس المنظّمات الدولية، وقد أخذت على عاتقها مؤخرا مهمّة عرض "الإسلام الذي تؤمن به هي وأسرتها وملايين المسلمين الآخرين في أنحاء العالم" للعالم. في كل مقابلة مع وسائل الإعلام الأجنبية أو العربية في الموضوع، تنفر رانيا من الربط الذي يقوم به الكثيرون بين الإسلام والإرهاب. وتقول خلال حديثها عن تنظيمات الجهاد العالمي التي تعمل على حدود بلادها، سواء في سوريا أو في العراق: "إنّ الحرب هي حرب على مستقبل الإسلام ومستقبل العالم العربي... إنّ انتصارنا في الحرب متعلّق بقدرتنا (كمسلمين) على كسب المعركة الفلسفية... ذلك أنّ وراء هذه الهجمة الإرهابية تكمن أيديولوجية متطرّفة، لا تتوافق مع روح الإسلام". ويميل الملك عبد الله أيضًا إلى الغضب عندما يصفونه كأنه "زعيم عربي، مسلم معتدل". "أنا زعيم عربي ومسلم نقطة. الأشخاص المتطرّفون الذين يقومون بأبشع عمليات القتل في سوريا والعراق لا يمثّلون الإسلام الحقيقي الذي أؤمن به".
تحرص الملكة رانيا على تقديم أجندة مساواة بين الرجال والنساء في المملكة في مجالات الوصول إلى الدراسات العليا ومجالات العمل وتعمل على تمويل ومرافقة مشاريع عديدة للقضاء على ظاهرة الأمية والبطالة بين النساء. في مقابلة مع تلفزيون العربية في شهر تشرين الأول عام 2013، فتحت رانيا منزلها أمام فريق التصوير وتحدّثت عن أسرتها الصغيرة، أبنائها وزوجها، وسعت إلى نقل رسالة عن سلامة الأسرة الملكية في العصر الحديث، بما في ذلك عرض نموذج لماهية الأسرة المسلمة الصحّية بنظرها.
الحرب على الداخل: الحرب ضدّ داعش
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (AFP)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (AFP)
في ظهر يوم الجمعة، 20 حزيران عام 2014، جرت في معان، جنوب الأردن، مظاهرة رُفعت فيها أعلام داعش السوداء. العناوين التي تحملها اللافتات ليس فيها لبس: "جمعة دعم الدولة الإسلامية في العراق والشام / معان هي جند الأردن / مؤيدة للدولة الإسلامية".
وقد صدرت في المظاهرة صيحات مثل: "الله أكبر"، "الجهاد" و"بالروح بالدم نفديك يا إسلام". وبعضها الآخر أكثر تميّزا، ويظهر الطابع الذي لا لبس فيه للمتظاهرين: "لا إله إلا الله والشيعي عدوّ الله" و"السنة أحباب الله".
الأمر الأكثر أهمية هو حقيقة أنّه سوى أفراد معزولين، فإنّ جميع المشاركين في المظاهرة كانوا مكشوفي الوجوه، أي إنهم لا يخشون من النظام الأردنيّ، من استخباراته وشرطته. وقد رأى المتظاهرون أيضًا الشخص الذي قام بتصوير المظاهرة ولم يقوموا بفعل شيء ضدّ التوثيق، رغم أنّهم يعلمون جيدا بأنّ النظام قد يستخدم مقاطع الفيديو من أجل التعرّف عليهم والإمساك بالمشاركين في المظاهرة. وعندما يختفي الخوف من الدولة، فإنّ كل عمل يصبح متوقعا.
لم يخف تنظيم داعش نواياه تجاه الأردن أبدا، والذي نشأ هو مثل العراق وسوريا من قبل الاستعمار الأوروبي، ولذلك فحكمه هو الهلاك. حتى اسمه يدل على هذه النية، حيث إنّ منطقة "الشام" هي في الواقع تشمل كلا من سوريا، لبنان، الأردن وإسرائيل.
ومن أجل توضيح نواياه تجاه الأردن وسّع التنظيم مساحات سيطرته في العراق باتجاه الغرب، حتى الحدود العراقية الأردنية. تثير نجاحاته في العراق وسوريا "الأدرينالين الجهادي" لدى السكان المهمّشين في الأردن، والمظاهرة في معان تعبّر عن المعروف للجميع: نجاح داعش يجذب الجماهير، وخصوصا أولئك الذين هم في الأطراف، الذين يرغبون بالانتماء أخيرا إلى شيء ناجح.
إعدام معاذ الكساسبة (لقطة شاشة)
إعدام معاذ الكساسبة (لقطة شاشة)
ويفهم هذه المسألة جيّدا ملك الأردن الذي شارك في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة وتنفيذ الهجمات ضدّ أهداف داعش في مثلث الحدود الأردنية - العراقية والسورية. يبحث الملك عبد الله في كل لحظة من لقاءاته مع شركائه من الزعماء العرب في السعودية ومصر عن حلول إبداعية من أجل منع انتشار "المرض"، الذي يُسمى داعش.
ومن المفاجئ أن نعرف بأنّه في إسرائيل، يقدّر محلّلون عسكريّون بأنّ "الأردن يكشف عن تصميم وقوة في معالجة الأوضاع. نحن ننظر محدّقين بقدرات الأردن على مواجهة الصعوبات وتجهيز الحلول. هذا مركّب ليس فقط من القوة العسكرية والاستخبارات النوعية، وإنما أيضا من حكمة الأسرة المالكة، ومن قدرتها على إنشاء التماهي مع الجماهير، والشعور بأنّ هناك حكم متيقّظ للضائقات. الأردن، في تقديرنا، مستقرّ ويتعامل بالشكل الأفضل مع التهديدات".
سيرافق الإعدام الهمجي للطيار الأردني، معاذ الكساسبة، من خلال حرقه حتى الموت داخل قفص، الأردنيين والأسرة المالكة فترة طويلة، حيث أعلنت الأخيرة بأنها ستزيد من هجماتها ضدّ داعش.
رؤيا الأردن الجديدة
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (AFP)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (AFP)
المشكال الأكثر إلحاحا للتعامل معها هي المشاكل الاقتصادية، التعامل مع موجة اللاجئين السوريين والعراقيين الذين يخنقون الاقتصاد الأردني ويورّطون البلاد من الناحية الأمنية والحرب ضدّ التطرّف الديني والحرب ضدّ التنظيمات السلفية.
ويرغب عبد الله أيضا بمواجهة المشاكل الاجتماعية الداخلية حيث تكون القيادة والسياسية الداخلية أفضل فتمنع تفكّك نسيج الحياة الحسّاس بين الأردنيين من أصول فلسطينية والأردنيين من أصول بدوية. معظم سكان الأردن هم من أصول فلسطينية، وتعود جذورهم إلى الضفة الغربية، ولكن زعماء القبائل هم من الضفة الشرقية، وملوك السلاسة الهاشمية كانوا دائما يعتمدون عليهم لحماية العرش. تحمل العلاقة التي توحّد العائلة المالكة وزعماء القبائل طابعا لاتفاق واضح: مقابل دعمهم للبلاط الملكي، يتوقع زعماء القبائل الشرقيين من الملوك الحفاظ على حقوقهم والحدّ من قوة الفلسطينيين. وعندما يظنّون أنّ الملك لا يهتمّ بهم بما فيه الكفاية، تبدأ المشاكل بالنشوء.
يريد عبد الله رؤية الأردنيين يبنون الأحزاب التي لا تعمل فقط كمراكز لتوفير الفوائد، الإكراميات والوساطات، وإنما أيضا تطوّر الأفكار الأيديولوجية وتنشئ في الأردن ثقافة سياسية ناضجة. إنه يريد أن يرى تمثيلا نسبيا سليما أكثر للفلسطينيين في البرلمان، دون أن يمكّن الإخوان المسلمين من احتكار الإصلاح لأنفسهم باسم الإسلام.
من عدّة نواح، فالملك الأردني هو شخص مليء بالتناقضات. ملك عربي، صادف كونه حفيدا مباشرا للنبي محمد، ويبشّر بنظام ليبرالي، علماني وديمقراطي. عبد الله، وفقا لرؤيته، هو رجل إصلاح سياسي واقتصادي. يقول إنّه يفهم بأنّ الأسرة المالكة الهاشمية، وربما الأردن نفسه، لن ينجحا في البقاء للعقود القادمة، إذا لم ينجحا بسرعة في دفع البلاد للتحرّك صوب العالم الحديث.
علاقات سلام باردة مع إسرائيل
اجتماع نتنياهو مع الملك عبد الله. أرشيف (Kobi Gideon/GPO/FLASH90)
اجتماع نتنياهو مع الملك عبد الله. أرشيف (Kobi Gideon/GPO/FLASH90)
مر عشرون عاما (وقليلا) منذ توقيع معاهدة السلام، والتي أعطت موافقة رسمية وعلنية على المحادثات السرّية التي استمرّت لعشرات السنين، ولكن ليس بشكل مستمرّ، بين إسرائيل والأردن. تأسس الحوار بين البلدين على مصلحة مشتركة لكليهما، والذي بقي منذ ذلك الحين ساري المفعول وهو: احتواء اللاعب المنافس في كلتا الدولتين: الفلسطينيون.
إنّ التفكير بـ "منح الأردن دورا حاسما في حلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني"، قد أدى بالملك حسين إلى التصريح بفكّ الارتباط رسميّا عن الضفة الغربية عام 1988. مهّد فك الارتباط هذا - الذي أعقبه تغيير في منهج منظمة التحرير الفلسطينية - الطريق إلى اتّفاق أوسلو، والذي تم توقيعه بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. وقد منح فكّ الارتباط هذا أيضا شهادة موافقة على المفاوضات بين إسرائيل والأردن وعلى اتفاق السلام بين البلدين، والذي تم توقيعه بعد ثلاثة عشر شهرا فقط من توقيع اتّفاق أوسلو. لم ينتظر الملك حسين ليرى إذا كان الفلسطينيين وإسرائيل سيصلون إلى اتفاق دائم كامل، فقد عجّل في شقّ طريق لإجراء المفاوضات مع إسرائيل وإزالة شبكة التمويه عن العلاقات بين البلدين.
منذ العام 1996، رأى العديد من تشكيلات الحكومة الإسرائيلية بالأردن الوطن البديل للفلسطينيين. وتؤرّق هذه الفكرة قادة النظام الهاشمي، وهو في الواقع، أساس سياسة الأردن الشاملة مع مثلّث العلاقات الأردني - الإسرائيلي - الفلسطيني. إنّ الانتقادات التي يطرحها الملك عبد الله الثاني حول التطرّف في إسرائيل بخصوص قضايا متعلّقة بالصراع مع الفلسطينيين وخصوصا حول مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، ينبع من قلق السؤال حول إذا ما رافق اندلاع الانتفاضة الثالثة - التي ستؤدي إلى موجة ثالثة من هروب الفلسطينيين إلى الأردن - تطوّر من شأنه أن يضع حدّا للحكم الهاشمي في المملكة. تعترف معاهدة السلام مع إسرائيل بمكانة الأردن الخاصة في كل ما يتعلق بالمواقع الدينية الإسلامية في القدس. ومن جهتها تحرص إسرائيل على مشاركة الأردن في كلّ ما يتعلق بتلك المواقع في شرقي المدينة، ولكن ولاعتبارات سياسية - داخلية وإقليمية - تفضّل الحكومة الأردنية الاستمرار في توجيه الانتقادات حول ما يحدث في المدينة، حتى لو لم يكن للأحداث مساس مباشر بالمواقع المقدّسة في الإسلام.
رئيس الحكومة الإسرائيلية رابين يتحدث مع ملك الأردن، الملك الحسين، على شاطئ بحيرة طبريا بعد مراسم المصادقة على اتفاق السلام مع الأردن من الحكومة الإسرائيلية (GPO)
رئيس الحكومة الإسرائيلية رابين يتحدث مع ملك الأردن، الملك الحسين، على شاطئ بحيرة طبريا بعد مراسم المصادقة على اتفاق السلام مع الأردن من الحكومة الإسرائيلية (GPO)
ومع ذلك، فإنّ هذه الانتقادات - مهما بلغت حدّتها - لم تُتَرجم حتى الآن إلى عمل ملموس. وذلك رغم أنّ الأردن، ولكونه عضوا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عاميّ 2014 - 2015، قادر على التسبّب بمشاكل وأضرار لإسرائيل في الساحة الدولية. إنّ الاعتراف الأردني بتأثير إسرائيلي في الكونغرس الأمريكي يلعب هو أيضًا دورا مهمّا في اعتدال ردود فعل الأردن لما يراه استفزازات إسرائيلية؛ أي البناء في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويعكس ضبط النفس هذا نظرة واسعة لنظام المصالح الشامل لدى المملكة، وخصوصا على خلفية وبعد الاضطرابات التي جرت في الشرق الأوسط في السنوات الأربع الأخيرة.
إنّ الذكرى السنوية العشرين لمعاهدة السلام بين إسرائيل والأردن ليست عيدًا، ولكنها أيضًا ليست يوم صيام. يمكننا أن ننظر إلى هذه المعاهدة، وكذلك الأمر إلى معاهدة السلام التي وقّعتْ بين إسرائيل ومصر، كخيبة أمل. ليس هناك أي دفء في العلاقات بين إسرائيل والبلدين. بقيت غالبية المعاهدات المرتبطة بالتعاون في المجالات المختلفة حبرا على ورق، دون أي تطبيق. ليس هناك أي أثر يُذكر للتعاون على مستوى المجتمع المدني، وكذلك فإنّ آلاف السياح الإسرائيليين الذين ارتادوا في الماضي المواقع السياحية المعروفة في هذين البلدين، يبعدون أقدامهم خوفا من الإرهاب. من ناحية أخرى، فإنّ معاهدات السلام مع الأردن ومصر توفّر الإطار الرسمي، الذي يمكّن من التعاون الذي يلبّي المصالح الحيوية لدى إسرائيل وأيضا لدى كلا البلدين الجارَيْن.


اقرأ المزيد: رجل الساعة: الملك عبد الله يُكافح من أجل بقاء المملكة الأردنية - المصدر http://www.al-masdar.net/%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%8a%d9%8f%d9%83%d8%a7%d9%81%d8%ad-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%ac%d9%84/#ixzz3R3TNUJWW

قوي ضدّ حماس: حرب السيسي ضدّ الإرهاب

اضطر الرئيس السيسي الآن إلى مواجهة الإرهاب المستشري في سيناء، والذي يجذب الاهتمام والموارد عن التحدي الحقيقي والأهم: الاقتصاد المصري المضطرب

5 فبراير 2015, 19:340
عبد الفتّاح السيسي يؤدي القسم كرئيس لمصر (AFP)
عبد الفتّاح السيسي يؤدي القسم كرئيس لمصر (AFP)
لم تتقبل حركة "الإخوان المسلمون" هزيمتها. بعد عزل مرسي بالقوة عن الحكم من خلال انتفاضة شعبية واسعة وبمساعدة عسكرية، أطلقت الحركة عصيانا مدنيّا مستمرّا ومبادرات احتجاج في الشارع بشكل مستمرّ. ويعمل أعضاؤها الذين لا يزالون في مناصب حكومية وعامة رئيسية كطابور خامس للإضرار بالبنى التحتية للبلاد. وبفضل معلومات قاموا بنقلها، تم تفجير أعمدة ضغط عال مما أدى في لحظة ما إلى هبوط بنسبة 5% من الجهد الكهربائي في مصر. وقد تضرّرت أيضًا خطوط السكك الحديدية عدة مرات في أعقاب تفكيك أجزاء من السكة الحديدية أو تفجير القطارات.
رغم استمرار المظاهرات، وفي حين أن عدد المشاركين لم يتجاوز بضع مئات، ازداد عنفهم وكذلك ردود فعل القوى الأمنية التي تفقد صبرها. ويتهم النظام أيضًا الحركة بتنفيذ هجمات في أرجاء البلاد. كان أشهرها الهجوم على محطة الشرطة في كرداسة، وهي قرية سياحية معروفة غربي القاهرة، والذي قُتل خلاله 16 شرطيًّا. تم إلقاء القبض على المنفّذين، وهم من أعضاء "الإخوان المسلمون"، وتمّت محاكمتهم وسيتم الحكم عليهم بالإعدام هذا الأسبوع. وبالمجمل فإنّ الأضرار الناجمة عن المظاهرات والهجمات، باستثناء سيناء، ليست كبيرة، ولكنها تُنشئ شعورا بفقدان الأمن العام. أضرّ النظام إلى توجيه موارد عديدة من أجل محاربتهم ولا يستطيع التركيز على التحدّي الاقتصادي، كما كان يريد.
في مصر، حماس هي داعش
تنبع مشكلة الأمن الرئيسية من عمليات التنظيمات الجهادية في سيناء. في الأشهر الـ 18 الماضية منذ إسقاط "الإخوان المسلمون" من الحكم توسّع نشاط التنظيمات الإرهابية الإسلامية كثيرا في شبه الجزيرة. تجمّعت معظمها تحت مسمّى "أنصار بيت المقدس"، الذي تبيّن أن لديه قدرات عمليّاتية مذهلة. حيث استطاع التنظيم في شهر تشرين الأول الماضي قتل 31 جنديًّا في هجمة على موقع عسكري، وهي العملية التي أدت إلى فرض حظر تجوال ليلي على شمال سيناء وإنشاء منطقة عازلة من 1000 متر على طول قطاع غزة. تم إخلاء المنطقة من سكانها، الذين رغم تلقّيهم للتعويضات إلا أنّ ذلك بالتأكيد لم يزد محبّتهم للنظام المصري المكروه على أية حال.
في الأشهر الـ 18 الماضية منذ إسقاط "الإخوان المسلمون" من الحكم توسّع نشاط التنظيمات الإرهابية الإسلامية كثيرا في شبه الجزيرة سيناء
خرج الجيش المصري، الذي أدخل تعزيزات كبيرة إلى شمال سيناء بموافقة إسرائيل، في عملية واسعة النطاق. تم اكتشاف وتدمير 1850 نفق، وقُتل واعتُقل المئات من الإرهابيين وتضررت العشرات من بؤر التنظيمات. بدا في الأسابيع الماضية أنّ عمليات التنظيم قد تقلّصت، ولكن الهجمة الإرهابية الكبيرة والتي تمّ تنفيذها الأسبوع الماضي ضدّ منشآت الشرطة والجيش في العريش ونجم عنها وفاة ما لا يقلّ عن 30 جنديّا مصريّا، أثبتت بأنّ الإرهاب الإسلامي في سيناء حيّ يرزق. وعلاوة على ذلك، فقد أعلن تنظيم "أنصار بيت المقدس" مؤخرا ولاءه لأبي بكر البغدادي؛ زعيم الدولة الإسلامية، وتم تغيير اسمه إلى "ولاية سيناء" (التابعة للدولة الإسلامية). وقد أعلن مسؤوليته بهذا الاسم عن العملية الأخيرة في العريش.
وفي مصر نفسها كانت هناك تعبيرات عديدة للتضامن مع الجيش، والذي يرمز إلى وحدة البلاد أكثر من أي جسم آخر ويحظى بالتبجيل باعتباره المدافع الأخير عنها. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك ردود فعل منتقدة في الإعلام والذي يتمتع بحرية أكثر اليوم من الماضي. والأسئلة شرعية: كيف يُمكن للجيش الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط ألا ينجح في السيطرة على تنظيم إرهابي يعمل داخل مناطق السيادة المصرية، وذلك بعد أن أدخل إلى سيناء تعزيزات واسعة النطاق، والتي تشتمل على مروحيّات، ناقلات الجند المدرعة وأمور أخرى؟ والانتقادات موجّهة إلى السيسي بطبيعة الحال، وهو في الأصل رجل عسكري، والذي وعد بضرب الإرهابيين حتى الموت. قطع السيسي زيارته لأديس أبابا، حيث شارك هناك في القمة السنوية للاتحاد الإفريقي، وعاد إلى القاهرة لإدارة الحدث.
ألقى السيسي بالمسؤولية عن الهجمات على "الإخوان المسلمون"، وأعلنت محكمة محلية عن الجناح العسكري لحركة حماس تنظيمًا إرهابيًّا. وذلك بعد أن أعلنت محكمة أخرى قبل عام حظر نشاط حماس في مصر، في أعقاب مشاركة التنظيم في المظاهرات ضدّ مبارك عام 2011 ومشاركة أعضائه في اقتحام السجون في القاهرة. وقد تم في هذه الهجمات إطلاق سراح مجموعة من قادة "الإخوان المسلمون"، ومن بينهم مرسي نفسه، والذين اعتقلوا قبل أسابيع من ذلك. وكان من بين من أطلق سراحهم أيضًا أحد مسؤولي حماس وهو أيمن نوفل، الذي نجح في الهروب إلى غزة، وتم تعيينه قائدا للواء المركزي في قطاع غزة، وسامي شهاب، رئيس خلية حزب الله في مصر والذي خطّط لهجمات في قناة السويس، وهرب إلى لبنان. يُعتبر قطاع غزة قاعدة لوجستية لعمليات التنظيمات الإرهابية في سيناء. حيث تستطيع هناك التدرّب والتنظيم من أجل عملياتها في مصر.
الجيش المصري (صورة: المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية)
الجيش المصري (صورة: المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية)
مقابل الحرب على الإرهابلا مبالاة من قبل الأمريكيين والغرب
السؤال هو لماذا لا ينجح الجيش المصري في إيقاف الإرهاب. يبدو أنّ المشكلة تكمن في عدم استعداده للقتال ضدّ حرب العصابات وخصوصا إذا كانت في المدن
السؤال هو لماذا لا ينجح الجيش المصري في إيقاف الإرهاب. يبدو أنّ المشكلة تكمن في عدم استعداده للقتال ضدّ حرب العصابات وخصوصا إذا كانت في المدن. اتضح أنّ الجيش لم يُجهّز لمهامّ من هذا النوع من قبل قادته ولم يُجهّز أيضًا في إطار المساعدة العسكرية الأمريكية التي تشتمل على تدريب ضباط الجيش المصري في الأكاديميات العسكرية الأمريكية (حيث أقام هناك أيضًا عبد الفتاح السيسي بنفسه) وعلى المناورات العسكرية المشتركة، التي خُصّصت للحروب التقليدية غير الموجودة اليوم في الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة. وُيضاف إلى ذلك أنّ على الجيش أن يواجه، جزئيّا على الأقل، سكانا بدوًا عدائيين لا يميلون للتعاون مع السلطات، التي أهملتهم وأهانتهم في العقود الأخيرة. سمحت نتيجة هذه السياسة الحكومية الفاشلة لحماس في البداية بإقامة شبكات لتهريب الصواريخ والأسلحة من السودان إلى غزة عن طريق سيناء بمساعدة البدو، وسهّلت في المقابل على التنظيمات الإرهابية الإسلامية إغراء البدو للانضمام إلى صفوفها والكفاح ضدّ السلطة باسم الإسلام. بدأت هذه العملية في شمال سيناء منذ فترة مبارك.
بلراك أوباما وجون كيري (AFP)
بلراك أوباما وجون كيري (AFP)
عاد السيسي ليقول إنّه سيبذل كلّ جهده من أجل القضاء على الإرهاب ولن يسمح بتدهور مصر إلى الفوضى. وقد أعلن هذا الأسبوع عن إنشاء مقرّ خاصّ لمكافحة الإرهاب ينسّق بين جميع الهيئات. ويمكن أن نقول عن ذلك من الأفضل أن يكون متأخرا من ألا يكون مطلقا.
ومن المثير للدهشة، فإنّ مصر التي تحارب الإسلام الأصولي، لا تحظى بالمساعدة من الغرب. خصوصا بالنسبة للولايات المتحدة المرتبطة مع مصر باتفاقات للمساعدة الأمنية منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل. تستمرّ حكومة أوباما في التعبير عن دعمها لحركة "الإخوان المسلمون" واعتبارها تيّارا سياسيا أصيلا وشرعيّا في الإسلام. وقد ظهر هذا الدعم في الأسبوع الماضي بشكل حادّ ويمسّ بمصر عندما تمّ استقبال وفد من "الإخوان المسلمون" هرب أعضاؤه من مصر إلى محادثة في وزارة الخارجية في واشنطن. التقط أحد أعضاء الوفد صورة بجانب شعار وزارة الخارجية وهو يشير بأصابعه بإشارة تأييد حركة "الإخوان"، ونشر الصورة في مواقع التواصل الاجتماعي في تحدّ واضح للسيسي.
ورغم أن واشنطن قد أرسلت مؤخرا العشرات من مروحيّات الأباتشي التي كانت تنقص مصر في حربها بسيناء ضدّ الإرهابيين، ولكن المساعدة الأمنية التي تمّ تعليقها كعقاب للسيسي لا تزال لم تُجدّد بنطاقها الكامل. يواصل أوباما تجاهله للسيسي ولا تحظى مصر بالمساعدة في مجال القوى الخاصة وإدارة حرب العصابات، مما يمكن أن يرفع من قدراتها في حربها ضدّ قوى الإرهاب في سيناء. أيضًا الاتحاد الأوروبي لا يقوم بأيّ جهد لمساعدة مصر.
إلغاء الدعم وتطوير مشاريع جديدة
إنّ السؤال الكبير الذي يقف أمام مصر اليوم هو إذا ما كانت ستنجح بالمضيّ في طريق النموّ الاقتصادي أم سيحبط الإرهاب جهودها. تحاول مصر اليوم الخلاص، ليس فقط من أربع سنوات من الأزمة السياسية - الاقتصادية - الاجتماعية، والتي غرق فيها الكثير من الضحايا ودهورت اقتصادها، وإنما أيضًا من سوء إدارتها في فترة مبارك.
تعاني مصر من تخلّف اقتصادي حادّ. يعيش أكثر من نصف السكان الذين يبلغ تعدادهم نحو 90 مليون نسمة تحت خطّ الفقر، والذي يعرّف بحسب الأمم المتحدة براتب دولارين يوميّا
تعاني مصر من تخلّف اقتصادي حادّ. يعيش أكثر من نصف السكان الذين يبلغ تعدادهم نحو 90 مليون نسمة تحت خطّ الفقر، والذي يعرّف بحسب الأمم المتحدة براتب دولارين يوميّا، ويعيشون فقط بفضل الدعم السخيّ للمنتجات الأساسية ولمنتجات الطاقة التي تقدّر  بنسبة 20% من ميزانية الدولة. يصل عدد العاطلين عن العمل إلى أقل من 15% من القوى العاملة، وتزداد البطالة في أوساط الشباب من خرّيجي الجامعات إلى نحو 40%، ونحو 12% من السكان لا يزالون يصابون بأمراض الملاريا، البلهارسيا والتهاب الكبد C، ولا يعرف ثلث السكان، على الأقل، القراءة والكتابة.
يضاف إلى ذلك بأنّه ليست لدى مصر صناعة حديثة تليق باسمها وهي تعتمد على استيراد المنتجات المتطوّرة والتكنولوجية من الغرب. صادرات مصر الأساسية هي القطن ومنتجاته، والمواد الكيميائية على أساس النفط، والآخذة بالنفاد. وقد توقف تصدير الغاز بعد أنّ لم تُنفّذ منذ عهد مبارك الاستثمارات المطلوبة لتطوير حقول الغاز وتسويقه. ليس فقط أنّ مصر ينقصها الغاز بالنسبة للسكان المحليّين وإنما لأنها تلبّي الاتفاقات التي وقّعتها مع شركة "بريتيش غاز" وشركة "فينيسيا" الإسبانيّة لتوفير الغاز بشكله المسال - LNG - إليهما، وهي مُدينة لهما بمليارات الدولارات كتعويضات.
يكرّس الرئيس المصري، عبد الفتّاح السيسي، كلّ طاقته من أجل تعزيز الاقتصاد. فهو يعي أنّ الشعب متعب من فترة عدم الاستقرار الثورية ويرى فيه الملاذ الأخير لتغيير حقيقي. منذ أن قرّر السيسي ترشيح نفسه للرئاسة، كرّر التصريح بأنّ هدفه الوحيد هو إخراج مصر من الجمود الاقتصادي، وإلا فستغرق في الفوضى ومن يدري ماذا ستكون نتائج ذلك.
تتفاوض شركة الغاز المصرية الآن مع "نوبل إنيرجي" و "ديلك" الإسرائيلية من أجل شراء الغاز من حقل تمار الإسرائيلي من خلال هذه الشركات، حتى تستطيع تلبية التزاماتها تجاه زبائنها في آسيا وأوروبا. تأتي إيرادات مصر بالعملات الأجنبية في الأساس من السياحة، الضرائب في قناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج. وهو هيكل اقتصادي معيب لا يسمح بتقدّمها إلا إذا تمّ إصلاحه بشكل كامل. تجدر الإشارة إلى أن عدد سكان مصر سيبلغ 100 مليون مواطن عام 2020.
قال السيسي للشعب إنّه سيقوم بإصلاحات بعيدة المدى والتي ستُثقِل على المدى القريب على المواطن وستكون هناك حاجة للانتظار لنحو عامين قبل الشعور بالتحسّن. بعد تولّيه لمنصبه فورا، ألغى السيسي نحو 80% من الدعم على الوقود والغاز ووفّر بذلك مليارات الدولارات، التي وُجّهتْ لتمويل البنى التحتية، التعليم وغير ذلك. أدى ارتفاع أسعار المواصلات الذي جاء عقب ذلك إلى استياء في أوساط الشعب، ولكن ذلك هدأ بعد مرور زمن قصير، وكان يمكن أن نفهم بأنّ المواطنين يقبلون سياسة التقشّف التي يقوم بها ويعتبرونها أملا لتغيير ملموس في المستقبل. وقد بدأ السيسي أيضًا في تنفيذ برنامج عملاق في مجال البنى التحتيّة مثل بناء قناة السويس الموازية، بهدف مضاعفة حركة السفن في القناة، وكذلك مثل إنشاء مناطق صناعية وسياحية بين القناتين، مما يُفترض أن توفّر فرص عمل لمئات الآلاف من المصريين وأن تسرّع أيضًا التنمية في سيناء.
هل يمنح الشعب المصري رئيسه، السيسي، المهلة الكافية للقضاء على المشاكل الإقتصادية والإجتماعية الكبيرة ؟ (AFP)
هل يمنح الشعب المصري رئيسه، السيسي، المهلة الكافية للقضاء على المشاكل الإقتصادية والإجتماعية الكبيرة ؟ (AFP)
في الوقت الراهن، توفّر السعودية ودول الخليج لمصر مساعدات مالية، ولكن ذلك دواء مؤقّت وليس بديلا عن النموّ الاقتصادي
وهناك برامج أخرى عديدة ومثيرة للإعجاب في مجالات مختلفة، ولكن السؤال إذا ما كانت مصر قادرة على تنفيذها على أرض الواقع. في الوقت الراهن، توفّر السعودية ودول الخليج لمصر مساعدات مالية، ولكن ذلك دواء مؤقّت وليس بديلا عن النموّ الاقتصادي. ومن أجل زيادة الاستثمارات والتكنولوجيا، فقد بادر السيسي إلى انعقاد "المؤتمر الدولي من أجل مصر" والذي يُفترض أن ينعقد في نصف شهر آذار القريب في شرم الشيخ. دُعي للمؤتمر 1,500 شركة من جميع أنحاء العالم. هناك نتائج إيجابية فعلية لهذه السياسة. بدأ الدَّيْن الوطني بالانخفاض قليلا وتتنبّأ التوقعات بنموّ اقتصادي بنسبة 3% في الفصول القادمة. وهو تغيير متواضع جدّا ولكنه على الأقل يغرس أملا صغيرا.
هناك تحدّ آخر ومهمّ جدّا وهو جلب الاستقرار للنظام السياسي الذي لا يزال يعتمد بشكل أساسي على الرئيس، بينما لا تنجح الأحزاب في إقامة أطر سياسية قابلة للحياة قبيل الانتخابات البرلمانية.
إنّ الانتخابات التي يُفترض إجراؤها في نهاية شهر آذار هي المرحلة الثالثة في خارطة الطريق التي قدمها السيسي للشعب المصري بعد عزل مرسي. وقد تمّ تنفيذ المرحلتين الأولين بنجاح وهي: صياغة الدستور والموافقة عليه من خلال استفتاء شعبي والانتخابات الرئاسية. ستمثّل الانتخابات البرلمانية اختبارا للمشهد المصري المحلّي. إنّ برلمانا منتخبا مكوّنا من أحزاب ليبرالية هو فقط ما يمكنه أن يمثّل وزنا ضدّ الرئيس، وينتقد السياسات الاقتصادية، ويحافظ على حقوق الإنسان ويوقف التطرّف الإسلامي. في الوقت الراهن، لم تنجح عشرات الأحزاب القديمة والجديدة المفتقدة للتقاليد الديمقراطية في الانتظام وإقامة كتلة ليبرالية كما هو مطلوب، وهناك خشية من أن تستغلّ جهات إسلامية هذا الوضع. وقد يأتي الأمل من جهة رئيس الحكومة السابق الجنزوري الذي يعمل على تأسيس قائمة موحّدة للأحزاب الليبرالية، ولكنه مضطر إلى مواجهة زعماء أحزاب ضيّقي الأفق يحاولون استنزاف أكبر قدر من الأماكن الحقيقية في البرلمان منه ويرفضون التخلي عن مكانتهم. ولذلك ينبغي الانتظار لعدة أسابيع حتى يتّضح الموقف.
الإرهاب قد يتدفّق إلى الخارج
تعيش مصر - والتي هي أكبر وأهم دولة عربية - اليوم في ذروة جهود هائلة مبذولة لتجديد اقتصادها، ولإقامة نظام سياسي جديد ومستقرّ في الوقت الذي تدير فيه صراعا مريرا ضدّ التنظيمات الإسلامية المتطرّفة. ومن المفارقات، أنّ مصر المحتاجة للتفهّم والمساعدة، قد تُركت بمفردها ولا تحظى بتشجيع ومساعدة من الغرب. إنّ الافتراض هو أنّ مصر ستهزم الإرهاب الإسلامي، ولكن سيكون ذلك بسعر حرب طويلة ودموية ستؤثّر على جميع دول المنطقة. سيستمرّ الصراع في مصر، مثل صراع الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، دون شكّ في إلهاب المشاعر وجلب تدفّق آخر للشباب من الدول العربية ودول الغرب، وسيزيد من مخاطر الإرهاب سواء في إسرائيل أو في الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
تسفي مازال، هو مستشرق ودبلوماسي إسرائيلي، تولّى منصب سفير إسرائيلي في رومانيا، مصر والسويد. باحث زميل في المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة.
نُشرت مقالة الرأي هذه للمرة الأولى في موقع ميدا