الأربعاء، 9 مارس 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
البيان الختامي
الصادر عن المجلس الثوري
في دورته العادية السادسة عشرة
Bildergebnis für ‫حركة فتح‬‎


رام الله – فلسطين

التأم المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في دورته العادية السادسة عشرة "دورة شهداء نداء القدس.. والهبة الشعبية والشهيدين القادة، المناضل إسماعيل أبو شمالة والمناضلة نجلاء ياسين"، بمشاركة الأخ الرئيس محمود عباس، والإخوة أعضاء اللجنة المركزية للحركة وأعضاء المجلس من داخل الوطن والشتات، فيما منع الاحتلال الإسرائيلي وصول عدد من الاعضاء من الشتات ومن قطاع غزة، من الوصول لقاعة الاجتماعات وما زال يعتقل عضو اللجنة المركزية القائد مروان البرغوثي وعضو المجلس المناضل جمال أبو الليل.
وبعد التحقق من النصاب القانوني، افتتحت الجلسة بالنشيد الوطني الفلسطيني الخالد، والوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء الشعب الفلسطيني الباسل، على مدى نضاله الطويل وشهداء الهبة الجماهيرية المجيدة، التي يسطر فيها شعبنا درساً آخر في فنون الابداع والمقاومة، رفضاً للاحتلال وإجراءاته العدوانية بحق شعبنا وأرضه ومقدراته وعلى نحو خاص مقدساته الإسلامية والمسيحية ومحاولاته فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك، كما يترحم الحضور على الفدائي السوري الفتحاوي، نذير نبعة، الذي جسد برسوماته المعاناة الفلسطينية وشحذ همم كل الفدائيين بشعار العاصفة، وحيا المجلس المرأة الفلسطينية في يوم المرأة العالمي ممجدا دورها العظيم، أماً وأختاً وزوجةً وابنه، المناضلات الماجدات الباسلات في وجه الاحتلال والعدوان، وبعد إقرار جدول الأعمال، انطلقت أعمال الدورة بكلمة تفصيلية للأخ الرئيس أبو مازن، شرح فيها مجمل التطورات السياسية والوطنية منذ عقد الدورة السابقة، حيث أكد الأخ الرئيس في مستهل كلمته، أن الهبة الجماهيرية جزء من المقاومة الشعبية السلمية التي يتبناها الفلسطينيون في إطار القانون والشرعية الدولية، وأن رفض الاحتلال هو الموقف الطبيعي لشعب تحت الاحتلال.
ولفت سيادته إلى أن سبب الهبة ومحركها السلوكيات والاعتداءات على المقدسات الاسلامية والمسيحية وفي المقدمة المسجد الأقصى، والاعتداء على حياة المواطنين بالإعدامات الميدانية، وكذلك استباحة مقدرات وأملاك المواطنين، وامتهان الإنسان، والتنكر لكل الاتفاقيات الموقعة ورفضها لإعادة العمل بها.
وأضاف الأخ الرئيس أن القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، تسعى لتحقيق غاية شعبنا منذ قرن، وهي استقلال فلسطين وتقرير المصير بإرادتنا الحرة، ولن تتخلى عن ذلك، جيلاً يعقبه جيل.
وأوضح الأخ الرئيس، أن التحرر الوطني مهمة كل أبناء شعبنا، رابطاً ذلك إلى الدور الأصيل الذي تقدمه المؤسسة التربوية والتعليمية، في بناء الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، المؤهلة والمتميزة في العلوم المختلفة.
وأكد على تحمل الجميع لمسؤولياته وعلمه بالمعاناة التي يعيشها المعلمون وقطاعات أخرى من شعبنا مطالباً إياهم بالعودة إلى الدوام وعلى قاعدة ضمان تحقيق الاتفاق الذي يكفل تطوير واقعهم المالي، بما يعزز من قدرتهم على القيام بمسؤولياتهم العائلية والمجتمعية ومسؤولياتهم الوظيفية والوطنية في تنشئة الأجيال.
وفي سياق آخر أكد الأخ الرئيس أننا ما زلنا نحقق نجاحات سياسية وهي ليست أكثر من لبنات صغيرة لبناء صرح وطني فلسطيني كبير، مشيراً إلى استمرار التحاقنا بالمنظمات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وتوسيع دائرة الفعل الدبلوماسي، والاشتباك السياسي.
وبعد الاستماع إلى التقارير من اللجنة المركزية واللجان المكلفة، ومداولات الأعضاء أقر المجلس الثوري في بيانه الختامي ما يلي:

أولاً: الشأن السياسي:-
يحيي المجلس الثوري الشعب العربي الفلسطيني العظيم، بكافة قطاعاته وشرائحه، على وقفة العز والشموخ ورفض الاستكانة أو الذل والخنوع، والتي يعبر من خلال مواصلته للمقاومة الشعبية السلمية، رفضه التام لإجراءات الاحتلال ومحاولاته الرامية لتصفية القضية الوطنية، عبر تهويد القدس ومقدساتها، ومواصلة الاستعمار الاستيطاني الاحلالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ويدعو كل قطاعات شعبنا للانخراط في الهبة الجماهيرية، وإظهار الحضور الشعبي العارم، ضد الاحتلال ومخططاته، ورفض كل إجراءاته العدوانية، والعمل على حماية شعبنا من عصابات المستوطنين الإجرامية.
ويؤكد المجلس، أن الهبة الحالية والتي يمكن أن تتطور إلى انتفاضة شعبية واسعة، محركها الأساس استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراض دولة فلسطين، واستباحة مقدرات وممتلكات المواطنين، والتنكر لكل الاتفاقيات، بالإضافة إلى الاعتداءات الدائمة، بالاقتحامات والاعتقالات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، ويخص الاعدامات الميدانية المتنافية كلياً مع أي منظومة بشرية.
يدعو المجلس الثوري إلى التنفيذ العاجل لقرارات المجلس المركزي المتعلقة بتحديد العلاقة مع سلطة الاحتلال، في ظل اسقاطها للاتفاقيات الموقعة وتنكرها لها كلياً، ويرفض كل العروض التي تنتقص من السيادة الوطنية، ويعتبر في هذا الصدد، أن سلطة الاحتلال هي التي أسقطت الاتفاقيات والتعاقدات، برغم مكانتها وضماناتها الدولية، وبالتالي فلا مجال للتمسك بها من طرف واحد، ويطلب استناداً لذلك إلى وقف أي شكل من العلاقات مع سلطة الاحتلال وفق الاتفاقيات، حتى تلتزم بالاتفاقيات، ويدعو الى البحث في جدوى سحب الاعتراف بدولة الاحتلال.
يؤكد المجلس أن السلطة الوطنية إحدى الانجازات الاستراتيجية لشعبنا عبر قائدة نضاله منظمة التحرير الفلسطينية، ويشدد في السياق على أن السلطة لبنة أساسية في بناء الدولة الفلسطينية العتيدة، ولن نسمح بانهيارها أو حلها، كما لن نسمح بتحويل هدفها الأساسي والمتمثل في إنهاء الاحتلال وإنجاز الاستقلال الوطني، نراكم عليها ونطور من أدائها.
يؤكد المجلس الثوري وقوفه بكل حزم ضد مخططات قيام دولة ثنائية النظام، يعيش فيها الفلسطينيون دون مكانة وطنية وقومية، ويلفت إلى أن الإجراءات العنصرية ونظام الأبارتهايد، التي تعمل سلطه الاحتلال على تجسيده وتطويره، مآله السقوط والفشل والانهيار، بإرادة شعبنا وكل من يناصره في العالم.. الذي أسقط النظم المثيلة وتحديداً في جنوب أفريقيا.
ويرى المجلس بذلك أن الإجراءات العنصرية الاحتلالية، تعبر عن مدى الأزمة الأخلاقية والسياسية لديهم، في ظل نزعتهم للتطرف والسيطرة ورفض الوجود الفلسطيني.
وفي هذا الإطار فإن المجلس يرفض الحلول الجزئية والدولة المؤقتة ويرفض قطعياً الدولة اليهودية.
يرحب المجلس بالجهد الفرنسي لتحريك المجتمع الدولي عبر مجلس الأمن الدولي، ويخص المقترح القاضي بعقد مؤتمر دولي للسلام، ويؤكد أن المؤتمر الدولي يمكن أن يشكل أداة ضغط حقيقية لإلزام سلطة الاحتلال بعملية سلام ذات أفق وجدوى، خاصة إذا تم ضمان تشكيل مجموعة اتصال ودعم دولية على غرار لجان الأزمات الإقليمية والدولية.
يدعو المجلس الثوري إلى مواصلة تعزيز العمل بالطرق والوسائل القانونية والدبلوماسية في كل الساحات والتجمعات والمؤسسات الممكنة، لغاية تمكين النضال الوطني واستثمار ناجع للمكانة والمركز القانوني التي اكتسبتها فلسطين بعد قرار اعتمادها دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
ويؤكد المجلس أن تدشين مرحلة النضال القانوني والدبلوماسي في كافة المحافل والمؤسسات الدولية يمكن أن يشكل محطة فارقة في العمل الوطني الفلسطيني، ويرحب في هذا الصدد بكل الجهود المبذولة في المحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، ومؤسسات الأمم المتحدة كافة، كما يشعر بالفخر باللحظة التاريخية الفارقة، برفع علم فلسطين الدولة إلى جانب أعلام دول العالم لأول مرة في التاريخ.

ثانياً: الشأن الوطني:-
بعد مداولاته التفصيلية للأوضاع الوطنية الفلسطينية، وتداخلاتها وتعقيداتها، ناقش أعضاء المجلس بشكل معمق وأوصوا بما يلي:
يؤكد المجلس على ضرورة إعطاء الحوارات الأخيرة في الدوحة، الفرصة الكافية للنجاح، من أجل إنهاء الإنقسام وإنجاز مصالحة وطنية فلسطينية شاملة، تضمن وحدة الشعب والأرض وتحول دون التقسيم الجغرافي والإداري والانفصال.
وإذ يشجب المجلس كل التصريحات السلبية من طرف قادة في حماس ضد المصالحة والوحدة، فإنه يدعو إلى آلية تحفيزية أمينة وعاجلة لاتفاق القاهرة وما تبعه في الدوحة وغزة.
ويؤكد المجلس أن استمرار مماطلة حماس، يدفع الحركة بتفعيل خيارات أخرى لاستعادة غزة وإنهاء معاناة شعبنا الرهين والمخطوف لسياسات فئوية.
يؤكد المجلس الثوري أن حكومة الوفاق الوطني لم تتمكن من العمل في قطاع غزة، والذي يعيق عملها في القطاع يسعى إلى تعطيل عملها في الضفة الغربية، سعياً لإضعافها عبر الفوضى وعدم الاستقرار.
وإذ يرى المجلس أن الحكومة يجب أن تطور من أدائها، وتعزز من قدراتها لتحقيق احتياجات المواطن الفلسطيني وتحقيق العدالة الاجتماعية وكافة الحقوق الأساسية في التعليم والصحة والعيش الكريم، عبر زيادة فعالية ونجاعة مؤسسات الدولة الفلسطينية من خلال تفعيل منظومة الاصلاح الشمولي.
كما يرى المجلس أن محدودية المداخيل وضعفها والمعتمدة أساساً على المنح والهبات والضرائب هي نتاج مخطط يسعى لابقاء النظام السياسي ضعيف، وهو ما يتطلب من أبناء شعبنا تفهم الواقع كما هو والعمل للمساندة في تطوير مفاهيم التضامن والتكافل.
ويهيب المجلس بكل الوزارات والهيئات والمؤسسات الوطنية والأجهزة السيادية والشرطية إلى تعزيز التعاون وتقوية وتمتين العلاقة مع المواطن الفلسطيني، بتقديم أفضل الخدمات له والمحافظة على كرامته ومكانته العالية وثباته على أرض الوطن.
وهنا يحيي المجلس الأجهزة السيادية والشرطية على أدائها لتحقيق أمان المواطن الفلسطيني رغم الصعوبات التي تواجهها، ويدعو الى تعزيز مكانة الأفراد والضباط كل في موقعه.
يعتز المجلس بالدور الوطني الطليعي الذي قام به المعلم والمربي الفلسطيني، في تعليم الأجيال المتعاقبة وتنشئتهم وطنياً ومسلكياً، ويعتبر أن دورهم أساسيا واسهامهم أصيل في بناء الشخصية الوطنية الفلسطينية منذ ما يزد على قرن من الزمن.
ويجدد التذكير لكل معلمينا أن الإنسان هو القيمة والثروة الحقيقية في فلسطين، علينا المحافظة عليه وتمكينه وتهيئته بكل الجهد والمثابرة.
كما يتطلب من المعلمين صيانة وحماية صورة المعلم الفلسطيني النموذجي وتفويت الفرص على المتربصين.
وإذ يؤكد المجلس على ضرورة تمكين المعلم من الحياة الكريمة لتأدية رسالته الاجتماعية والوطنية، وانصاف المعلم، فإنه يرى أن "المشهد الحالي" والمتمثل في استمرار تعطيل المسيرة التعليمية، يلقي بظلال مخاطر التجهيل والتدمير الذاتي وهو ما يتوجب علينا تجنبه بكل السبل، وفي المقدمة مواصلة العمل والجهود لإنهاء الاضراب وعودة الحياة إلى جهاز التربية والتعليم، عبر تحقيق الممكن في معادلة، حقوق المعلم وإمكانيات الحكومة المالية، لضمان الحق الأساسي في التعليم وحق الوطن ومشروعنا التحرري، في بناء وتأهيل الكوادر والكفاءات القادرة على الاسهام في البناء والتحرير.
وهنا يؤكد المجلس أيضاً، أن حق الإضراب والتظاهر والاحتجاج مكفول بالقانون، وأن كل المحاولات لحرف الاضراب عن غايته المطلبية في سياق الانتهازية السياسية واستثمار الاضراب، مآلها الفشل، بوعي أبناء شعبنا وقدرة مؤسساتنا على التعاطي مع الأزمات.
ويدعو المجلس الثوري الأسرة التربوية والأهالي، للتعاون لإنهاء الإضراب، داعياً كل الأهالي لاصطحاب أبنائهم إلى مدارسهم يومياً، وداعياً المعلمين إلى الانتظام وانهاء الإضراب، مع كفالة قيام الحكومة بتنفيذ التزاماته باتفاق 2013/2016، والبحث في مطالبهم المستجدة خلال الدوام.
ويشكر كل الحريصين على إنهاء الإضراب عبر المبادرات المتعددة ويدعو لتوحيدها.
يدعو المجلس الثوري إلى أهمية تطبيق التوصيات المتعلقة بمواصلة تنشيط مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وعلى نحو خاص عقد الدورة العادية للمجلس الوطني لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة تقود دوائر منظمة التحرير وأجهزتها المختلفة، وتحقق مشاركة كل الفصائل بفاعلية.
يرى المجلس الثوري أن الشروع في تكييف قرار عضوية فلسطين دولة مراقبة في الأمم المتحدة، يجب أن يكون له خطوات أساسية في بنية النظام لاستثمار المركز القانوني الناشئ عن ذلك القرار.
ويدعو بذلك الى تشكيل لجنة لدراسة قانونية لامكانية تشكيل "مجلس تأسيسي للدولة الفلسطينية"، ينهي مرحلة برلمان السلطة الوطنية في الانتخابات المقبلة، ويقوم بوضع دستور دولة فلسطين والتشريعات الضرورية لها ولمواطنيها.
6- يوجه المجلس الثوري تحية إجلال وإكبار لأبناء شعبنا في مدينة القدس وكل أبناء شعبنا الذين يدافعون باجسادهم العارية عن عروبة القدس المدينة المقدسة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، ويواجهون أعتى آلات القمع والإرهاب الاحتلال، التي تستهدف تهويد المدينة والنيل عروبتها من خلال حملات الاعدامات الميدانية وهدم البيوت وابعاد المقدسيين وسحب الهويات ومحاولات اسرلة التعليم، وخلق بيئة طاردة تستهدف التهجير للفلسطينيين والتهويد للقدس.
7- يحيي المجلس الثوري أهلنا في قطاع غزة الصامد، الذين يعانون القتل والحصار والاحتلال، ويعلي من دورهم ومكانتهم في النضال الوطني، كما يعانون التضييق وخنق الحريات والضرائب والجبايات المالية القصرية، ويدعو حركة حماس الى الالتزام بقوانين دولة فلسطين وسلطتها الشرعية، ووقف محاولات صياغة قوانين الأمر الواقع، كما يدعو حكومة الوفاق الوطني للعمل من جديد لغاية ممارسة صلاحياتها في القطاع.
8- يحيي المجلس الثوري شعبنا وأهلنا في لبنان وسوريا، ويؤكد على مواصلة الجهود لتخفيف المعاناة عن كل أهلنا، ويحض على دعم أهلنا في لبنان في تحركهم ومطالبهم المحقة بخصوص ضرورة إبقاء خدمات الأنروا المتعلقة بالعلاج والطبابة والتعليم والنازحين من سوريا وضرورة دعم موازنة الأنروا حتى تتمكن من القيام بواجباتها والتزاماتها.
وفي سياق آخر، يؤكد على سياسة عدم التدخل في محاور وتجاذبات في لبنان وغيرها.

ثالثاً: الشأن العربي والإقليمي:
يشدد المجلس الثوري على وقوف الحركة مع القضايا العربية في وجه أي تدخل خارجي، من منطلق قومي أساسه نحن منهم ومعهم، ويدعو الدول العربية إلى نبذ الخلافات والتي تسهل مؤامرة تقسيم الوطن العربي من جديد، ويطالبهم بالحوار البناء لتضامن عربي أوسع.
ويعلن المجلس الثوري مرة أخرى أن الأمة العربية والدولة الوطنية العربية يجب المحافظة عليها بكل الإمكانيات والسبل، والعمل على إنهاء الصراعات في عديد الدول التي دفعت نحو خريف يستهدف وجودها وتقسيمها.
ويرفض المجلس أي تدخل من أي جهة كانت عربية أم غير عربية في القضايا الداخلية الفلسطينية والشؤون الوطنية الفلسطينية إلا عبر الجهة الرسمية الشرعية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين، لافتا إلى أن العلاقات بين الدول تحكمها أنظمة وقوانين والتزامات واتفاقيات وفق القانون الدولي، لا نرغب بتجاوزه ولا نقبل لأحد بتجاوزه معنا.
رابعاً: الشأن الحركي: درس أعضاء المجلس الثوري التقارير الحركية من اللجنة المركزية ولجان المجلس الثوري وتقرير اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السابع وقد قرر المجلس ما يلي:
ناقش المجلس تقرير اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السابع مبينا فيه حجم التقدم والمسار الذي قطعته اللجنة، والصعوبات التي تواجهها والتي تتمثل بكيفية تمثيل القطاعات الحركية وفق لائحة خاصة بالمؤتمر كما يلزمنا النظام، والترتيبات اللوجستية لعقد المؤتمر.
ودعا المجلس إلى مواصلة التحضيرات لعقد المؤتمر وتسريع وتيرتها وفق جداول زمنية، مع ضمان نجاحه ووضع اللائحة الخاصة بعضوية المؤتمر بشكلها النهائي، على أن تحقق عدالة التمثيل بين القطاعات والمؤسسات وتمثيل عادل لكوادر ورواد الحركة الأوائل، كما دعا اللجنة التحضيرية إلى إنهاء إعداد مشاريع أدبيات المؤتمر وعلى نحو خاص البرنامج السياسي وبرنامج البناء الوطني والتعديلات المقترحة على النظام، لدراستها عبر أطر الحركة المختصة، وذلك لضمان تنظيم مؤتمر يشكل رافعة لحركة فتح والحركة الوطنية الفلسطينية.
وطلب المجلس استكمال عقد مؤتمرات الأقاليم والمكاتب الحركية، لتحقيق شرط الانتخاب في ممثليهم للمؤتمر العام، واستنهاض كل الأطر الحركية.
يحيي المجلس الثوري كل أبناء الحركة أينما تواجدوا، ويخص عائلات الشهداء وكل جرحى النضال الوطني وأسرى الحرية، ويدعوهم إلى التضامن والتكاتف، والحذر من كل محاولات إضعاف الحركة والانقضاض على تاريخها وانجازاتها الوطنية، ويؤكد أن فتح قائدة وحامية مسيرة النضال الوطني الفلسطيني ستواصل مسيرتها في الدفاع عن مكتسبات شعبنا وتعزيز قدراته وصموده ومكانته، ولن تسمح بمحاولات إضعافها والنيل من أبنائها ودورها من أي جهة كانت.
يحيي المجلس الثوري الدور الكبير الذي تقوم به أطر وقطاعات الحركة المختلفة، ويخص أقاليم حركة فتح في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، بكل ما تؤدية وما تعانيه، ويحيي القطاعات المختلفة في الحركة، المرأة والعمال والطلاب والشبيبة، ويدعو الى العمل بكل جهد ممكن لتعزيز مكانة حركة فتح ويطلب من اللجنة المركزية توفير السبل والامكانيات اللازمة لضمان النجاح والابداع والانتصار.
ينعي المجلس الثوري الشهيد المناضل العميد ايمن جرادات الذي اغتالته يد الغدر والخيانة، ويؤكد في هذا الصدد أن القصاص من القتلة المجرمين الخارجين عن الصف الوطني،يجب أن يتم في اسرع وقت ممكن، وأن الحركة لن تسامح أو تتجاوز هذه الحادثة باي شكل كان.
5- يدعو المجلس الثوري إلى إعادة بناء مفوضية الانتخابات الحركية، واستكمال الخطط وقواعد البيانات من أجل الاستحقاقات الديمقراطية القادمة.
وقد اتخذ المجلس عددا من القرارات والتوصيات الخاصة في الشأن الحركي.
التحية لشعبنا الصابر والعزة لحماة القدس ومقدساتها.
المجد والخلود لكل شهدائنا الأبرار،،
والحرية لكل أسرنا البواسل،،
الشفاء لكل مناضلينا الجرحى،،
عاشت فلسطين..حرة عربية،،
وإنها لثورة حتى النصر..حتى النصر..حتى النصر،
فلسطين 4-3-2016

الجمعة، 4 مارس 2016


أسباب الإرهاب والعنف والتطرف

إعــداد
أ.د. صالح بن غانم السدلان
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة البحث
 (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) ( ) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد:
فإن المعالجات التأصيلية لقضايا المنهج القويم في الاعتقاد والفكر والفقه والآداب والسلوك لم تعد من نوافل الجهود أو هوامش الاهتمامات، بل أضحت مطلبًا ضروريًّا ملحًّا وحاجةً مصيريةً لازمة لتوجيه المسيرة وتقويم من انحرف عن النهج المستقيم خاصة في هذا العصر الذي رزئت فيه الإنسانية بما أتلف أعصابها من كثرة التفرق والانحراف وانتشار الأهواء والمغريات والمفاسد، لهذا كان المسلم في هذا العصر وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات بحاجة إلى ضوء كاشف ينير له الطريق ويجلي له الأمر في جميع المشكلات والعقبات التي تعترض طريقه ويقدم له الحلول الناجعة والمعالجات التأصيلية الجادة المعمقة على ضوء المنهج الصافي السليم منهج أهل السنة والجماعة.
إن الكشف عن جذور التطرف، والعنف والإرهاب ومعرفة أسبابه هو موضوع الساعة وهو في نظرنا من أشد الموضوعات خطورة وأثرًا وأجدرها بالدرس المتأني ذي النفس الطويل؛ ذلك لأن المسلمين اليوم وهم يواجهون مشكلات الحضارة وتحديات العصر ومعركة البقاء لا يواجهون ذلك كله وهم على منهج واحد كما تواجهه الأمم الأخرى بل هناك مناهج لدينا نشأت أو قل نبتت من الابتعاد عن المنهج الأمثل المنهج الحق الذي ارتضاه لنا رب العالمين يقول عز شأنه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ( ) [الأنعام:153].
إن مما ابتليت به الأمة الإسلامية ولشد ما ابتليت به اليوم! قضية العنف والغلو والتطرف التي عصفت زوابعها بأذهان البسطاء من الأمة وجهالها، وافتتن بها أهل الأهواء الذين زاغت قلوبهم عن اتباع الحق فكانت النتيجة الحتمية أن وقع الاختلاف بين أهل الأهواء وافترقوا إلى فرق متنازعة متناحرة همها الأوحد إرغام خصومها على اعتناق آرائها بأي وسيلة كانت، فراح بعضهم يصدر أحكامًا ويفعل إجراما يفجِّرون ويكفِّرون ويعيثون في الأرض فسادا ويظهر فيهم العنف والتطرف إفراطا وتفريطا، ولعمر الله: إنها فتنة عمياء تستوجب التأمل وتستدعي التفكير في الكشف عن جذورها في حياة المسلمين المعاصرين، وهذا يعد من أهم عوامل التخلص من الخلل الذي أثقل كاهل الأمة وأضعف قوتها وفرق كلمتها.
يجب أن يُعْلَمَ أن قضية العنف والصراعات الدامية في حياة المجتمعات الإنسانية ليست أمرًا نادر الحدوث، لا يتوقع المرء وقوعه في حياة المجتمعات والحضارات وتدافعاتها؛ بل إن التغيرات والمنعطفات الكبرى، كثيرًا ما تقترن في الذهن بأحداث وصراعات دامية، بل إنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ! فقد كان المشركون مغالين متطرفين في عقائدهم الوثنية الشريرة فكذبوا بالحق وهم عليه شهود، وعارضوا الحقائق بإيمانهم بالأوهام والظنون؛ ولهذا نجد كل صاحب هوى ينزع إلى أصل جاهلي: إما تكذيب وإما معارضة، وإن نجا من هاتين السوأتين فهو ينزع إلى الظلم أو الجهل: والظلم لبغي العلو في الأرض والجهل بحقيقة هذا الدين وجماع الشر هو الظلم والجهل، وجماع الخير العلم والعدل، والناظر في الغلاة وأهل التطرف يجدهم على تكرار العصور ومر الدهور يجمعهم قاسم مشترك وتربط بينهم خصائص معينة ويفرقون بأوصاف بيِّنة تكون مطردة فيهم.
فمن شذ بفكره وانحرف بجهله وقع في المحظور وطوته تيارات الغلو والإرهاب في مدها الجارف فتراه يقوم بارتكاب أفظع الجرائم باسم الدين.
إن الحقيقة التي لا مِراء فيها أن لكل شيء في هذا العالم مقدارًا قدّره الله بعلمه وحكمته: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( ) [الرعد:8] أي لا إفراط ولا تفريط في خلق الله، وبالتالي لا غُلوَّ بالتقدم ولا تلو بالتأخر في دين الله، كما ورد أن أعرابيًّا قال للحسن البصري رحمه الله: "يا أبا سعيد، علّمني دينا وَسُوطًا، لا ذاهِبًا فَروطًا، ولا ساقطًا سُقوطًا. "أي دينًا متوسطًا، لا متقدمًا بالغلو، ولا متأخرًا بالتلو". قال له الحسن: أحسنت يا أعرابي، خير الأمور أوساطها ( ). ويقول الإمام ابن قيم الجوزية ( ) رحمه الله: "فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له؛ هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد".
إن الإرهاب والتطرف والعنف لم يأتِ اعتباطًا ولم ينشأ جزافًا بل له أسبابه ودواعيه، ومعرفة السبب غاية في الأهمية ذلك لأن معرفة السبب تحدد نوع العلاج وصفة الدواء، فلا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب أو الأسباب، فما إذن هذه الأسباب والبواعث التي أدت إلى هذا الفكر الضال؟
إن أسباب نشأة هذا الفكر متعددة ومتنوعة، فقد يكون مرجع هذا الفكر أسبابًا فكرية أو نفسية أو سياسية أو اجتماعية أو يكون الباعث عليه دوافع اقتصادية وتربوية.. إلخ. وبالنظرة الشاملة المتوازنة نستطيع أن نجزم بأن الأسباب متشابكة ومتداخلة، ولهذا لا ينبغي أن نقف عند سبب واحد، فالظاهرة التي أمامنا ظاهرة مركبة معقدة وأسبابها كثيرة ومتداخلة.
إن الإسلام يكابد اليوم حربًا ضروسا تعددت مصادرها وتنوعت أشكالها وتبدلت وسائلها لتتناسب مع تغيرات الأحوال وتبدلات الزمان واختلاف المكان وإن اتفقت كلها على وحدة الهدف والمحاولات المستميتة للقضاء على الإسلام في حربه بيد أبنائه لوقف شمسه !! فإنا لله وإنا إليه راجعون!.
ومن نعم الله - تعالى - على هذه البلاد أنها ليست أرضًا للإرهاب ولا لإنباته لتوافر الأئمة والدعاة المصلحين واستجابة الحاكم والمحكوم لأمر الشرع الحنيف والجميع يسعى لتلافي التقصير والنقص وما وجد في أيامنا لا يعدو أن يكون سحابة صيف عارضة ستجتث من فوق أرض هذه البلاد الكريمة الطاهرة: مهبط الوحي ومأرز النبوة ومهوى الأفئدة ومحط أنظار المسلمين في كل مكان وزمان.
وإسهامًا منا في هذا الموضوع المهم نقدم هذه العجالة علَّها تكون إضافة إلى الجهد الذي يتبقى فيه الوجهة النافعة والحل الأمثل وتقديم العلاج الناجع والدواء النافع والعمل على ردم هذه البؤر والقضاء عليها.
وختامًا أتقدم بجزيل الشكر وبالغ الامتنان إلى القائمين على شئون هذا المؤتمر الذين تفضلوا بتوجيه الدعوة للمشاركين فيه وأنا واحد منهم.
وأحسب أن هذه المؤتمرات والندوات والملتقيات إنما هي منتديات خير تلتقي فيها شخصيات فكرية وعلمية تعالج موضوعات الأمة وتعنى بقضاياها وتضع الحلول والرؤى لمشكلاتها مساهمة في تجاوز أزماتها بإذن الله تعالى.
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يرزق حكامها العمل بكتابه وسنة نبيه ودعاتهم الفقه والبصيرة في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفقير إلى عفو ربه المنَّان صالح بن غانم بن عبد الله السدلان
أسبــاب الإرهــاب
توطئة
الإرهاب ظاهرة مركبة ومعقدة وأسبابها كثيرة ومتداخلة. وكلها تسهم في إنتاجه بنسب متفاوتة لذا لا ينبغي الوقوف عند بعض منها، بل لا بد من دراستها دراسة شاملة.
وهذه الأسباب منها ما هو سياسي ومنها ما هو فكري ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو اقتصادي أو نفسي أو تربوي...إلخ.
ونستعين بالله في تفصيلها.
الأسباب السياسية ( )
1-      إن البعد عن شريعة الله هو سبب الضلال والعمى والشقاء الذي نعاني منه الآن في كثير من بلدان الإسلام، فالله تعالى يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( ) [طه:124].
والمعيشة الضنك هي الضيق وهي الشقاء.
إذن فالبعد عن تطبيق القواعد المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها سبب للشقاء، ومن أنواع الشقاء الإرهاب والعنف والتطرف.
2-      الإحباط السياسي: فإن كثيرًا من البلدان العربية والإسلامية لم تكتف بتهميش الجماعات الإسلامية وعدم الاكتراث لها، بل وقفت في وجهها، وتصدت لأربابها، وحصرت نشاطها، وجمدت عطاءها، حتى في بعض البلدان التي تدعي الديمقراطية وحرية الرأي، فإن هذه الأمور إذا جاءت في صالح تيار إسلامي، أو جماعة إصلاحية فسرعان ما يتحول الأمر إلى المنع والقمع والتصدي والتحدي مهما كانت الجماعة معتدلة، والتيار متسامحًا، والحزب متنورًا، وهذا من شأنه أن يولد المنظمات السرية، والتوجهات المناهضة، وردود الأفعال الغاضبة التي لا تجد ما تصب فيه غضبها، وتفرغ فيه شحنات عواطفها إلا امتطاء صهوة الإرهاب، وذلك ما تمثل واقعًا حيًا مشاهدًا في كثير من البلدان.
3-      ومن سوآت البعد عن شريعة الله تعالى وعدم تحكيمها: الاعتماد على مصادر مغايرة لمصادر الشريعة الإسلامية في التحاكم إليها كالعقول المجردة الفاسدة، والمناطق والفلسفات الكلامية العقيمة التي نُزع ما فيها من خير. واعتبر بحال المعطلة وغلاتهم وأمثالهم.
4-      إهمال الرعية أو التقصير في أمورهم وما يصلحهم: إن على جميع من يلي أمرًا من أمور المسلمين أن يقوم بما أمره الله به بأداء الأمانة، وحفظ الديانة، والنصح للأمة، والصدق مع الرعية، وتلمس حاجات الناس، وتحقيق الحياة الكريمة لهم، والاستفادة من طاقاتهم، وشغل أوقاتهم، وتسهيل أمورهم المادية والمعيشية، وأمورهم المعنوية والإنسانية، وإشاعة التعليم، وتشجيع المعرفة، وصيانة العقول، والحفاظ على الأفكار.. وهكذا من القيام بكل ما من شأنه أن يحفظ الأجسام والأفهام، والقلوب والعقول، والأخلاق والأرزاق، ومتى ما أهمل أرباب المسؤولية رعاياهم، أو قصروا مع شعوبهم، أو تشاغلوا عن محكوميهم، فذلك مفتاح الضياع، وطريق المهالك، ومتنفس الضلال.. « كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته » ( ) ( ).
5-      المظالم التي ترتكب من قِبَل منْ شأنهُم أن يعدلوا بين الناس فهذا يوجد روحًا من السخط تَسْتَسْنح الفرصة للتعبير عن الرأي الذي حكر أو سجن أو عوقب صاحبه وضيق عليه، حيث لمّا عدل العُمَرَان (عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما) أمنا فناما، ولما طعن عمر بن الخطاب أرسل إلى ناس من المهاجرين فيهم علي فقال عن ملأ منكم هذا؟ فقال علي معاذ الله أن يكون هذا عن ملأ منا ولو استطعنا أن نزيد من أعمارنا في عمرك لفعلنا) ( ) ولما جاء أهل الكوفة وقد رفضوا واليهم: (أبدلهم عمر فورًا بغيره) ( ) وهكذا، فسلب الحقوق السياسية والمالية والاجتماعية التي هي نتيجة المظالم يوجد احتجاجًا لدى الرأي العام فما خرج الثوار - زاعمين كذبًا - على عثمان بن عفان إلا لزعمهم أن هناك مظالم ثلاثًا!! ( ) .
ولا شك أن ما كان سياسيًا في داخل أي مجتمع لا يحل بشكل إيجابي بنَّاء، فلا يصح إعطاء المشروعية لأي حل من الحلول، يقوم على أساس وسائل القهر والإكراه، وإثارة القلاقل والفتن.
روى أبو داود في سننه بسنده عن أبي ذر الغفاري حين سأل رسول الله (ما يفعل في حال الفتنة في المجتمع، فأمره أن يلزم بيته وأن لا يشارك في الفتنة حتى لا يدافع عن نفسه وليكون خيري ابني آدم "وقال قلت فإن دخل عليّ بيتي، قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه" ( ).
فالحديث عند التمعن يثير كثيرًا من الدهشة والتعجب، لأنه يبدو على غير ما وقر في الذهن وجسدته كثير من الأحداث التاريخية في وجوب مقاومة الانحراف والفساد بكل الوسائل المادية والمعنوية؛ لأن الحديث لا يمنع كل ألوان المبادرة بالعنف فحسب، بل إنه يمنع أيضًا كل أنواع العنف حتى باسم حق الدفاع عن النفس.
فليتأمل هذا الحديث، وما يحويه من توجيه، يحمل في طياته دلالات بعيدة المدى، لا يصح أن يمر بها المرء دون محاولة جادة لفهمها والغوص إلى أبعادها، خاصة أن تاريخ الأمة الإسلامية، زاخر بالفتن والثورات والصراعات الدامية، مع إخفاق جل محاولات الإصلاح السياسي الإسلامي في بلوغ غاياتها الكبرى حتى اليوم!
6-      التحزبات السرية التي نتجت عن قراءات خاصة ومفاهيم خاطئة لايعرفها أهل العلم. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (إذا رأيت قومًا يتناجون في شيء من الدين دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة) ( ). وهذه التحزبات والتجمعات يصدق عليها قول الحسن البصري رحمه الله: "خرج عثمان بن عفان علينا يومًا يخطبنا فقطعوا عليه كلامه فتراموا بالبطحاء حتى جعلت ما أُبصر أديم السماء قال: وسمعنا صوتًا من بعض حُجر أزواج النبي فقيل هذا صوت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال سمعتها وهي تقول: "ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب" ( ) وتلت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ( ) [الأنعام:159].
إن دراسة فاحصة للجذور الفكرية للجماعات والأحزاب في "حياة المسلمين المعاصرة" تتطلبُ نظرةً عميقةً لهذه الفِرقِ والجماعات والأحزابِ الدّاعيةِ إلى ذواتِها حصرًا، حيثُ تُصور كل فرقةٍ وجماعةٍ وحزب إلى الناس أنها هي القائمةُ على الإسلام، وكلَّ من عداها مخالفٌ لها، وهذا التصور القاصر نراهُ عندَ الجميع مطردًا ومتفقًا عليه.
ولهذا كان الجميع أهل فتنة وبدعةٍ، وليس هذا الحكمُ صادرًا فيهم عن رأي أو هوىً، بل هو ما اتفقَ عليه أهلُ العلمِ من المحققين وحكمهم في أولِ فرقةٍ وهي "الخوارج" وحتى آخر فرقةٍ ظهرتْ في هذا الوقت.
فكل تطرف في الدين أو غلو فيه لدى المسلمين فسببه هذه الفرق والجماعات والأحزاب، وهي بمجموعها مصدر البدع والفتن والأهواء والآراء، وأصل كل شر معارضةُ الشرع بالرأي، وتقديم الهوى عليه.
7-      الاستعمار والسيطرة الاستعمارية وانتهاك حقوق الناس وأخذ أموالهم بالباطل واحتلال الأراضي وانتهاك الحرمات والقتل والتدمير والاغتصاب وإجبار الناس على النزوح وترك أراضيهم وأوطانهم هذا يولد الإرهاب والعنف والتطرف.
الأسباب الفكرية
1-      الجهل بقواعد الإسلام وآدابه وسلوكه: إن من علامات الساعة أن يتحدث الرويضبة في شأن العامة والقضايا المصيرية ومن لا همَّ له إلا شهواته، أو من حُمّل بأفكار غريبة يتولى تربية الشباب فتستغل عواطفهم بتحميلهم أفكارًا تؤدي لتحمسهم بلا ضابط ولا رادع ولا رجوع لأهل العلم الصالحين الذين خبروا الأمور ودرسوا معالم الإصلاح جيدًا، ولا نجد تعليلا لذلك إلا الجهل، فالجهل داء عظيم وشر مستطير تنبعث منه كل فتنة عمياء وشر وبلاء، قال أبو الدرداء (كن عالما أو متعلما أو مجالسا ولاتكن الرابعة فتهلك ) . وهي الجهل .
ومنه حديث: « ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما دواء العِيَّ السؤال » ( )، وحديث:  « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين » ( ) ( ) ، ويندرج في ذلك القول في دين الله بغير علم؛ وذلك أن الجاهل يسعى إلى الإصلاح فينتهج طرقا يظنها حسنة فيسيئ من حيث أراد الإحسان فيترتب على ذلك مفاسد عظيمة، كالذي يريد أن ينكر وجود الكفار في الجزيرة فيفجر ديارهم ومساكنهم وفيهم من ليس منهم. بل قد أمرنا أن لا نسيء إليهم للعهد الذي بيننا وبينهم والأمان الذي أخذوه من ولي أمر المسلمين. هذا بالإضافة إلى شموله من ليس منهم فيضاعف تلك المفاسد الناشئة عن ذلك.
2-      الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم؛ ألا ترى إلى الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله وصفهم بأنهم « يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم » ( ) ( ) ، يعني - والله أعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم، لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال، وهذا يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم. وما تقدم أيضًا من قوله عليه الصلاة والسلام: « إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا » ( ) ( ) إلى آخره.
وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فروى البيهقي في شعب الإيمان عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة - زاد سعيد: وكتابها واحد؟ - قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا.
وقال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا ! قال: فزجره عمر وانتهره عليّ.. فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه.. فأرسل إليه وقال: أعد علي ما قلته، فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه! ( ). وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية والسورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعد ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهًا، فذهب كل إنسان فيها مذهبًا لا يذهب إليه الآخر، وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب، أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بد من الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل بالتخرص الذي لا يغني من الحق شيئًا، إذ لا دليل عليه من الشريعة، فضلّوا وأضلوا.
3-      الغلو في الفكر: وهو مجاوزة الحد، وهذا الغلو أو ما قد يصطلح عليه بـ (التطرف) خطير جدًا في أي مجال من المجالات، والإسلام قد حذر منه حتى ولو كان بلباس الدين يقول النبي « إياكم والغلو » ( ) ( ) ويقول « هلك المتنطعون » ( ) ( ). فمن يتصف بهذا الغلو ويجاوز الحد في فهم النصوص فيعمل ويعتقد في العموميات ويترك النصوص التفصيلية الأخرى، وهذا شعار الخوارج: العمل بالنصوص العامة وإهمال باقي النصوص وعدم استقصاء الأدلة وأحوالها.
ومن دلائل هذه الضحالة الفكرية، وعدم الرسوخ في فقه الدين، والإحاطة بآفاق الشريعة: الميل دائمًا إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات، مع تحذير القرآن والسنة والسلف من ذلك.
وحسبنا قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( ) [النحل:116].
وكان السلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزمًا، فإذا لم يجزم بتحريمه قالوا: نكره كذا، أو لا نراه، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يصرحون بالتحريم، أما الميالون إلى الغلو، فهم يسارعون إلى التحريم دون تحفظ، بدافع التورع والاحتياط، إن أحسسنا الظن، أو بدوافع أخرى، يعلم الله حقيقتها.
فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن أبي نعيم قال:
"جاء رجل إلى ابن عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض؟ - وفي طريق أخرى للحديث أنه سأله عن محرم قتل ذبابًا - فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: ها ! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله (يعني الحسين رضي الله عنه) وقد سمعت رسول الله يقول: « هما ريحانتاي من الدنيا » ( ) ( ).
ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم، ومن مظاهر ضعف البصيرة بالدين: اشتغال عدد من هؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية، عن القضايا الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها.
هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية المتجردة من الدين، وتنتشر الماركسية الإلحادية، وترسخ الصهيونية أقدامهم، وتكيد الصليبية كيدها، وتعمل الفرق المنشقة عملها في جسم الأمة الكبرى، وتتعرض الأقطار الإسلامية العريقة في آسيا وأفريقيا لغارات تنصيرية جديدة يراد بها محو شخصيتها التاريخية وسلخها من ذاتيتها الإسلامية، وفي الوقت نفسه يُذبح المسلمون في أنحاء متفرقة من الأرض، ويضطهد الدعاة الصادقون إلى الإسلام في بقاع شتى.
فإذا كان في الفقه رأيان: أحدهما يقول بالإباحة والآخر بالكراهة، أخذوا بالكراهة، وإن كان أحدهما بالكراهة، والآخر بالتحريم، جنحوا إلى التحريم.
وإذا كان هناك رأيان:(أحدهما ميسر، والآخر مشدد، فهم دائمًا مع التشديد، مع التضييق والدين براء من كل هذه التُرهات... جاء في الحديث عن النبي قال: عن أبي هريرة في البخاري مرفوعًا: « لن ينجي أحدًا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا » ( ) ( ).
4-      تقصير بعض أهل العلم في القيام بواجب النصح والإرشاد والتوجيه: ( ) .
أهل العلم هم المكلفون بذلك ببيان الحق للناس وهدايتهم إليه وتلك مسئولية كبرى تقع على أهل العلم والفقه والمعرفة، فإن الله جل وعلا حملهم مسئولية عظمى من هداية البشرية، ونشر العلم، وبذل النصح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإبلاغ الحق، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، فمتى ما أهمل العلماء هذه المسئولية العظمى فإن البلدان تخرب، والقلوب تظلم، والنفوس تتيه، والأفكار تزيغ، والباطل يصول، والضلال يجول.
يقول تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ) [النحل:43].
5-      اعتماد الشباب بعضهم على بعضٍ دون الرجوع إلى العلماء: يقول ابن مسعود ( ) "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا". قال ابن قتيبة في تفسير ذلك: "لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث لأن الشيخ قد زالت عنه حِدَّة الشباب ومتعته وعجلته واستصحب التجربة في أموره فلا تدخل عليه في علمه الشبه ولا يستميله الهوى ولا يستزله الشيطان، والحَدَثُ قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ".
كما روى أميمةُ الجمحي عن النبي قال: « إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر » ( ). وقال الحجاج بن أرطأة: "كانوا يكرهون أن يحدث الرجل حتى يُرى الشيب في لحيته"، ويدخل في هذا القيام الاعتماد على الكتب دون القراءة على العلماء.
قال الشافعي: (من تفقه في بطون الكتب ضيع الأحكام ومن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه) ( ).
وقد أدى ذلك إلى ضعف البصيرة عند هؤلاء: وهذا ما جعلهم لا يسمعون لمن يخالفهم في الرأي، ولا يقبلون الحوار معه، ولا يتصورون أن تتعرض آراؤهم للامتحان، بحيث توازن بغيرها، وتقبل المعارضة والترجيح.
وربما كان ثمة معارض أقوى وهو لا يعلم، لأنه لم يجد من يوقفه عليه، وغفل هؤلاء الشباب المخلصون أن علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا هذا الخضم الزاخر وحدهم، دون مرشد يأخذ بأيديهم، ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات، ويرد الفروع إلى أصولها، والنظائر إلى أشباهها.
وهذا ما جعل علماء السلف يحذرون من تلقي العلم عن هذا النوع من المتعلمين، ويقولون: لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا العلم من صُحُفي. يعنون بالمصْحفي: الذي حفظ القرآن من المصحف فحسب، دون أن يتلقاه بالرواية والمشافهة من شيوخه وقرائه المتقنين.
والإسلام كاملٌ في عقيدته وشريعته وآدابه وأخلاقهِ وسلوكه، والدعوةُ إليه دعوة إلى كل ذلك، فلو كانت تلك الفرقُ والجماعاتُ والأحزاب داعية إلى الإسلام بحق لكانت ناجحة في دعوتها سليمة في طريقتها، والإسلام جامعٌ غير مفرِّق، ومؤلف غير ممزِّق، وموحِّدٌ غير مشتِّت.
فكل من خالف منهج الإسلام في جمع الأمة وتوحيدها وتأليفها، ففي دعوته انحرافٌ، وفي سعيه اعتسافٌ. وما ابتليت الأمة ببليةٍ كانت عليها طامة مثل بلية التفـــرق والتحزب: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( ) [المؤمنون:53].
ولهذا كان من الواجب الأعظم على الأمة أن تدرأ عن نفسها خطر أصحاب التفرق والتحزب والتمزق، بعدم الانخداع بمقولاتهم المعسولة، وعدم الدخول معهم في جماعاتهم وفرقهم وأحزابهم، وأن يحُذِّر بعضها بعضًا من أخطارهم، وأن تعتصم بحبل الله تعالى، وأن تنهج على طريقةِ سلفها الصالحِ الذي لم يعرفْ إلى التفرقِ والتحزب والتمزق طريقًا!!
فهذا هو النصحُ الواجبُ في دينِ الله تعالى وسنةِ رسوله وهذا هو المنهجُ السليمُ الذي يُعيدُ للأمةِ وحدتها وقوتها وعزتها، فإلى هذا السبيلِ فادعوا.. وعلى هذا الطريق فسيروا ( ).. أيها المؤمنون!
وكان الأولى بهؤلاء أن يصرفوا جهودهم إلى ما يحفظ على المسلمين وناشئتهم أصل عقيدتهم، ويربطهم بأداء الفرائض، ويجنبهم اقتراف الكبائر، ولو نجح المسلمون في تلك الأقطار الأجنبية في هذه الثلاث: حفظ العقيدة، وأداء الفرائض، واجتناب الكبائر، لحققوا بذلك أملًا كبيرًا وكسبًا عظيمًا.
ومن المؤسف حقًا أن من هؤلاء الذين يثيرون الجدل في هذه المسائل الجزئية وينفخون في جمرها باستمرار، أناسًا يعرف عنهم الكثيرون ممن حولهم، التفريط في واجبات أساسية مثل: بر الوالدين، أو تحري الحلال، أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة، أو حق الأولاد، أو حق الجوار، ولكنهم غضوا الطرف عن هذا كله، وسبحوا بل غرقوا في دوامة الجدل الذي أصبح لهم هواية ولذة، وانتهى بهم إلى اللدد في الخصومة والمماراة المذمومة. وهذا النوع من الجدل هو الذي أشار إليه الحديث: « ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل » ( ) ( ).
ومثل هذا الموقف المتناقض - الاجتراء على الكبار والوسوسة في التوافه - هو ما أثار الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، حين سأله من سأله من أهل العراق عن دم البعوض ونحوه بعد قتل السبط الشهيد سيد الشباب: الحسين بن علي رضي الله عنهما.
الأسباب النفسية للإرهاب
من هذه الأسباب:
1-      حب الظهور والشهرة حيث لا يكون الشخص مؤهلًا فيبحث عما يؤهله باطلًا فيشعر ولو بالتخريب والقتل والتدمير.
2-      الإحباط: أحد أسباب الخروج على النظام وعلى العادات والتقاليد هو الإحباط وشعور الشخص بخيبة أمل في نيل حقه أو الحصول على ما يصلحه ويشفي صدره فكثير من البلدان العربية هَمْشَت دور الجماعات عمومًا ولم تكترث بها بل عذبت وقتلت وشردت ومنعت وصول خيرها للناس مع زعمهم بحرية الرأي والتعبير، وهذا يكون التحزبات السرية وردود الأفعال الغاضبة في صورة الإرهاب واعتناق الأفكار الهدامة ( ).
3-      قد يكتسب الفرد الصفات النفسية من البيئة المحيطة به سواء في محيط الأسرة أو في محيط المجتمع فكل خلل في ذلك المحيط ينعكس على سلوك وتصرفات ذلك الفرد حتى تصبح جزءًا من تكوينه وتركيبه النفسي، ويعد الفشل في الحياة الأسرية من أهم الأسباب المؤدية إلى جنوح الأفراد واكتسابهم بعض الصفات السيئة.
4-      قد يكون سبب العنف والتطرف فشل من يتصف به في التعليم الذي يعد صمام الأمان في الضبط الاجتماعي ومحاربة الجنوح الفكري والأخلاقي لدى الفرد، والفشل في الحياة يُكَّون لدى الإنسان شعورًا بالنقص وعدم تقبل المجتمع له. وقد يكون هذا الإحساس دافعًا للإنسان لإثبات وجوده من خلال مواقع أخرى فإن لم يتمكن دفعه ذلك إلى التطرف لأنه وسيلة سهلة لإثبات الذات حتى لو أدى به ذلك إلى ارتكاب جرائم إرهابية.
ولهذا فإننا كثيرًا ما نجد أن أغلب الملتحقين بالحركات الإرهابية من الفاشلين دراسيًا، أو من أصحاب المهن المتدنية في المجتمع وغيرهم ممن لديهم الشعور بالدونية ويسعون لإثبات ذاتهم، أو أشخاص لهم طموح شخصي ( ).
5-      من أسباب اللجوء إلى الإرهاب عند بعض الشباب الإخفاق الحياتي، والفشل المعيشي، وقد يكون إخفاقًا في الحياة العلمية أو المسيرة الاجتماعية، أو النواحي الوظيفية، أو التجارب العاطفية، فيجد في هذه الطوائف الضالة، والثلل التائهة ما يظن أنه يغطي فيه إخفاقه، ويضيع فيه فشله، ويستعيد به نجاحه.
الأسباب الاجتماعية
1-      إن من أسباب نشوء الأفكار الضالة ظهور التناقض في حياة الناس وما يجدونه من مفارقات عجيبة بين ما يسمعون وما يشاهدون، فهنالك تناقض كبير أحيانًا بين ما يقرؤه المرء وما يراه، وما يتعلمه وما يعيشه، وما يُقال وما يُعمل، وما يدرَّس له وما يراه، مما يحدث اختلالًا في التصورات، وارتباكًا في الأفكار.
2-      تفكك المجتمع وعدم ترابطه لا يشعر الشخص أمام هذا المجتمع المفكك بالمسئولية تجاهه ولا الحرص عليه ولا الاهتمام به ولا مراعاة الآخرين فهذا يولد حالة من الشعور بالحرص الشديد على اقتناء كل جيد فيه وإن لم يكن حقه وحين يمنع يتذمر ويزداد الأمر سوءًا، لذلك المجتمع المترابط والأسرة المتماسكة تحيط الأشخاص بشعور التماسك والتعاون ومن شذ منهم استطاعوا استواءه ورده عن الظلم لذلك قال رسول الله . « انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا » ( ) ( ) فنصرته ظالمًا بمنعه عن ظلمه والأسرة المتماسكة أقدر على ذلك.
3-      الفراغ ( ) يقول النبي « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة، والفراغ » ( ) فهاتان نعمتان كثيرًا ما يغبن فيها الإنسان، فإن الفراغ مفسدة للمرء وداء مهلك ومتلف للدين ونفسك إن لم تشغلها شغلتك، فإن لم تشغل النفس بما ينفع شغلتك هي بما لا ينفع، والفراغ النفسي والعقلي أرض خصبة لقبول كل فكر هدام وغلو وتطرف، فتتغلل الأفكار وتغزو القلوب فتولد جذورًا يصعب قلعها إلا بالانشغال بالعمل الصالح والعلم النافع.
إن الفـراغ والشبـاب والجـدَه مفسـدة للمـرء أي مفســده
الفراغ سم قاتل، وداء مهلك، ومرض فتاك، إنه مفسدة للعقل، مهلكة للنفس، متلفة للدين، محضن للإرهاب.
من رحم الفراغ تولد الضلالة، وفي أحضانه تنشأ البطالة، وفي كنفه تعيش الشبه.
وهو عدو متربص تجب محاربته باستهلاك طاقات الشباب المتعددة وأرواحهم المتوقدة وتسخير مواهبهم لخدمة الحق وتشجيع طموحاتهم لصالح الأمة.
الأسباب الاقتصادية
1-      إذا كان الإرهاب السياسي من أكثر صور الإرهاب شيوعًا وأشدها ضراوة وخطرًا وأكثرها دموية، إلا أنه هناك الأسباب الاقتصادية بأخطارها المتراكمة والمتلاحقة لأن الاقتصاد من العوامل الرئيسة في خلق الاستقرار النفسي لدى الإنسان فكلما كان دخل الفرد مثلًا مضطربًا كان رضاه واستقراره غير ثابت بل قد يتحول هذا الاضطراب وعدم الرضا إلى كراهية تقوده إلى نقمة على المجتمع. وهذا الحال من الإحباط يولد شعورًا سلبيًا تجاه المجتمع، ومن آثاره عدم انتمائه لوطنه ونبذ الشعور بالمسئولية الوطنية ولهذا يتكون لديه شعورًا بالانتقام وقد يستثمر هذا الشعور بعض المغرضين والمثبطين فيزينون له قدرتهم على تحسين وضعه الاقتصادي دون النظر إلى عواقب ذلك وما يترتب عليها من مفاسد وأضرار.
2-      البطالة: انتشار البطالة في المجتمع داء وبيل، وأيما مجتمع تكثر فيه البطالة ويزيد فيه العاطلون، وتنضب فيه فرص العمل، فإن ذلك يفتح أبوابًا من الخطر على مصارعها، من امتهان الإرهاب والجريمة والمخدرات والاعتداء والسرقة، وما إلى ذلك. فعدم أخذ الحقوق كاملة وعدم توفير فرصة العمل هذا يولد سخطًا عامًا يشمل كل من بيده الأمر قَرُب أو بُعد، فإن الناس يحركهم الجوع والفقر والعوز ويسكتهم المال لذلك قال عمر بن عبد العزيز لما أمره ولده أن يأخذ الناس على الحق ولا يبالي قال (عِنيَّ أني أتألفهم فأعطيهم وإن حملتهم على الدين جملة تركوه جملة) ( ) فالبطالة من أقوى العوامل المساهمة في نبتة الإرهاب حيث ضيق العيش وصعوبته وغلاء المعيشة وعدم تحسن دخل الفرد أحد العوامل التي تؤثر في إنشاء روح التذمر في الأمة فلأن تتسلط أمة على أمة فتغزوها وتأكل خيراتها فذلك يولد حالة من السخط تجاه من فعل ومن سمح بهذا.
الأسباب التربوية
من هذه الأسباب:
1-      قلة القدوة الناصحة المخلصة التي تعود على الأمم بغرض النفع وإرضاءً لله تبارك وتعالى وحبًا في دينهم وأوطانهم وغياب القدوة يؤدي للتخبط وعدم وجود المرجعية الصالحة والأسوة الحسنة من عوامل التفكك والانحطاط والتخلف.
2-      غياب التربية الحسنة والموجهة التي توجه الأفراد للأخلاق القيمة الحسنة.
3-      نقص أو انعدام التربية الحقيقية الإيمانية القائمة على مرتكزات ودعائم قوية من نصوص الوحي، واستبصار المصلحة العامة ودرء المفاسد الطارئة، وقلة إدراك عبر التاريخ ودروس الزمان وسنن الحياة في واقع الناس!
بعض التوصيات والمقترحات
1-      تحكيم الإسلام شريعة ومنهاجًا في حياة المسلمين، أفرادًا، ومجتمعات، وأمة قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ( ) [النساء:105]. فالأصل في الأحكام الشرعية أنها لمصلحة الخلق، وتحقيق العدل، وحفظ التوازن في الحياة.
2-      وجوب الاهتمام ببناء الفرد المسلم على أسس عقدية إيمانية؛ تعيد صياغة النفوس، وتفتح آفاق العقول، وتبث فيه روح الدين الحقيقي، وتؤصل العزة الإيمانية، وتمحور حياته حول هدف واحد، هو تحقيق العبودية لله بأبعادها كلها، وإعمار الأرض بشريعة الله. وتحقيق هذا مرتهن باتباع طريق الله المستقيم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ) [الأنعام:153].
3-      نشر الوعي الديني والثقافة الشرعية بين عامة المسلمين وخاصتهم عن طريق الوسائل المتاحة كلها وربط المسلمين بدينهم، ولتحقيق التحصين الثقافي ضد الفكر الغازي.
4-      إن مفتاح سعادة هذه الأمة مطوي في كتابها العزيز الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إذن: فلا يمكن للمسلمين أن ينهضوا نهضة حقيقية إلا إذا أقبلوا عليه واهتدوا بهديه واستضاءوا بنوره وساروا على دربه.
5-      على العلماء أن يبذلوا جهدهم لترشيد مسيرة المسلم بتحصينه بالفكر الإسلامي الصحيح وحمايته من الأفكار الضالة الهدامة وتأصيل معاني الخير في نفسه ليكون عنصرًا بناء لا تخريب وتطوير لا تدمير واعتدال لا غلو وأناة لا تسرع، وكل امرئ يجري إلى ساحة الوغى بما استعد.
هذا والله نسأل أن يجعل أعمالنا خالصة في رضاه وأن ينفع بها وأن يصلح شأن أمتنا في الأمور كلها وينصرها على أعدائها داخلًا وخارجًا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.